أخبار العالم

هتاف الحجيج الأعظم

 

بقلم د . ناجح إبراهيم

  • لبيك اللهم لبيك،لبيك لا شريك لك لبيك،إن الحمد والنعمة لك والملك،لا شريك لك لبيك، هكذا تنطلق أعظم هتافات التوحيد من قلوب الحجيج في لحظات إيمانية نادرة.
  • لبيك ذلًا وخضوعًا،حبًا وقربًا،صلاة ومناجاة،خشوعًا وسجودًا وركوعًا،رجاءً وخوفًَا.
  • إنها لب توحيد الله وإفراده بالعبودية والإقرار الكامل بشرف عبوديته والخضوع والتذلل لعظمته سبحانه.
  • إنها تلخص المضمون الأبرز لرسالات السماء ودعوة الأنبياء والمرسلين،وتعني تنزيه الله وتسبيحه وتعظيمه وتقديسه، إنها جل المعرفة بالله ثم بالنفس، كأنها تناجي السماء: إنني عبد مذنب مقصر مسرف جاء تائبًا لربه راغبًا في عفوه ذليلًا أمامه خاضعًا في ملكه.
  • هذه التلبية تحمل تلخيصًا رائعًا للعبودية الحقة لله والتي جاء الأنبياء وعلي رأسهم خاتم الرسل محمد”صلى الله عليه وسلم”من أجل ترسيخها وإرسائها، عقيدة غاية في البساطة واليسر لا تعقيد فيها، يفهمها العالم وغيره، يفهمها العربي والأعجمي، يدركها المسلم الهندي والأمريكي والصيني والأوروبي فمحورها الأساسي عبادة الله وحده.
  •  هذه العبودية الحقة لله هي التي صنعت جيل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخباب وبلال وعمار وياسر، كما صنعت خديجة وعائشة وسمية وأم عمارة.
  • العبودية لله فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومهما غطتها المعاصي والآثام والمظالم أو الإلحاد فإن القلب يهتف بها عند لحظة الشدائد الكاشفة.
  • لبيك اللهم لبيك، لبيك في الضيق والسعة، في عسرنا قبل يسرنا، وفي فقرنا قبل غنانا، وفي شدتنا قبل رخائنا.
  • لبيك اللهم لبيك، خلقتنا ورزقتنا وأعطيتنا وأكرمتنا بالأصل الطيب والآباء والأمهات الصالحات، وبزوجاتنا الراضيات القانعات، ورزقتنا الذرية الطيبة بغير حول منا ولا قوة.
  • لبيك يا رب، أكرمتنا رغم تقصيرنا في شكرك، سترتنا ونحن نستمرأ العصيان، أعطيتنا دون أن نحمدك، جبرت كسرنا وآويتنا، ورحمت غربتنا وكربتنا، ولولاك ما عرفناك، ولولا هدايتك ما عبدناك، ولولا سترك علينا لافتضحنا، ولولا كتابك ورسلك ما اهتدينا، ولولا دفاعك عنا لانتهينا، ولولا رحمتك بنا لتخطفنا الطير، ولولا أن وهبتنا العقل والحكمة ما تعلمنا ولا فهمنا.
  • لبيك اللهم لبيك، لبيك شوقًا للقائك،واستعذابًا للصعب في سبيلك، وركوبًا لكل وعر يوصل لمرضاتك ومحبتك”إن كان رضاكم في سهري/ فسلام الله علي وسني”.
  • لبيك اللهم لبيك، يا من أغرقت الدنيا كلها لكلمات قليلة من نبيك نوح” فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ“.
  • لبيك اللهم لبيك، يا من منحت الدنيا كلها بإنسها وجنها وطيورها وحيواناتها استجابة لدعاء عبدك سليمان” رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا..”.
  • لبيك اللهم لبيك، هتف بها قلب محمد رافضًا أن يكون ملكًا رسولًا رغم عظم المنصبين، ومفضلًا “عبدًا رسولًَا” ليحيا ويموت عبدًا متجردًا لله لا تغره زينة ولا يفتنه ملك ولا يصرفه عن ربه صارف.
  • لبيك اللهم لبيك، تلك الأنشودة الجميلة للعبودية التي تضبط حياة العبد فيوقن أن الله يسمع ويري، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فقد جاء رجل إلي رسول الله “صلى الله عليه وسلم” فقرأ عليه: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ **وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ“فقال: حسبي لا أبالي ألا أسمع غيرها.
  • عبودية تضبط العبد دون ترسانة القوانين التي لا تردع أحدًا عن الإجرام أو الفساد أو السرقة، ودون عشرات المحاكم التي أصبحت بلا جدوي في غياب الضمير، وقبل آلاف المدارس التي لا تربي أحدًا، وآلاف المساجد التي لا روح فيها، عبودية تنبع من قلب حي يهتف “لبيك اللهم لبيك”.
  • لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، تمثل العبودية الخالصة لله والتي أفرزت الرجال الصالحين الزاهدين علي مر الأجيال فأوجدت عزمة الصديق أبي بكر يوم الردة، وصبر بلال هو يصدح “أحد أحد” وعدل علي مع الخوارج رغم ظلمهم له.
  • وهي التي ألهمت الصديقة خديجة زوج النبي بأعظم كلمة تأييد زوجة لزوجها في التاريخ”أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتحمل الكل وتقري الضيف وتعين علي نوائب الدهر”، وألهمت هاجر أن تقول لزوجها إبراهيم عليهم السلام”إن كان الله أمرك بهذا فلن يضيعنا الله” وجعلت الأنبياء يضحون في سبيل الله بكل غالٍ ورخيص، فترمي العذراء مريم بالزور والبهتان وهي صابرة، ويطارد المسيح عليه السلام فيعفو ويغفر، ويشق بالمنشار زكريا، ويذبح السيد الحصور يحيي، ويلقي في السجن يوسف بعد أن بيع بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
  • لبيك اللهم لبيك هي التي جعلت أهل التصوف والزهد والعلم بالله تهتف قلوبهم “نحن في نعمة لو علمها الملوك لحاربونا عليها بالسيوف” وهي نعمة القرب من الله “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ“، فلم يعد أمر المناصب والرتب والنياشين والأموال والقصور يشغلهم أو يصرف اهتمامهم عن المحبوب الأعظم سبحانه، هؤلاء جميعًا استعذبوا الطريق إلي الله.

السابق
هتاف الحجيج الأعظم
التالي
«الأحوال المدنية»: 4 خطوات لتفعيل الهوية الرقمية عبر الجوال